
نساء أمازيغيات خلّدهن التاريخ


تظهر الآلهة أيضًا في الرسوم الصخرية الرائعة بالصحراء الكبرى. ونود أن نتوقف عند تلك التي عُثر عليها في « الهـُـگـّـار »، في N’Arouanrhat ، بالقرب من منطقة « جبارين » في قلب « تاسيلي ن آجر »، والتي تمنح المطر والحياة، وقد أرفق بها علماء الآثار اسم « گـايا »، في إشارة إلى إلهة الأرض في الأساطير اليونانية، والتي تعكس الارتباط القوي للأمازيغ بالأرض الأم. إن إطلاق أسماء أنثوية على الآلهة، يعود لكونها، مثل النساء، هي أصل الخصوبة والازدهار
عندما يتم الحديث عن أصول البشرية، غالبًا ما نصادف قراءات معادية للمرأة، تنحو نحو التقليل بشكل كامل من دور المرأة في التطور البشري، لدرجة يغيب تمثيلها نهائيا في الرسومات! على سبيل المثال، فإن الاكتشاف الأخير الذي توصل الباحثون من خلاله إلى أن الإنسان العاقل ينحدر من « إنسان جبل إيغود » الذي يعود إلى حوالي 315.000 سنة (وهو ما يفوق إنسان « كيبيش » الأثيوبي الذي يرجع تاريخه إلى حوالي 1950.000 سنة)، حيث تم الحديث عن اكتشاف 5 جماجم تعود لأفراد بالغين(3 بالغين، ومراهق واحد وطفل) وهو ما يشير ضمنيا بأنهم جميعًا ذكور، كما لو أن ليس لديهم أمهات
ظل انتحارها لغزًا كبيرا، لكن الفضل يرجع إليها في بناء حضارة عظيمة حوّلت قرطاج، ربما، إلى أول جمهورية في التاريخ- وفقًا لأرسطو- بمجلس شيوخ ضم ممثلين عن جزء من الشعب. إن الحضارة القرطاجية، التي كان لها الفضل في تأسيس إمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط، من خلال غزو جزر صقلية، وسردينيا، وكورسيكا، وكذلك منطقة مورسيا في إسبانيا، حققت شهرة كبيرة بفضل هانيبال، الذي تحدى جبال الألب وعبرها على ظهر الفيلة ليشن حربا ضد الرومان إلى أن وصل أبواب روما! كانت الإلهة العظيمة لهذه الإمبراطورية، التي أصابت الرومان بالذعر، تسمى « تانيت » وهي إلهة أمازيغية مسؤولة عن حماية الخصوبة والولادة والنمو
في كتابهما: « إفريقيا الشمالية في العصور القديمة، من الأصول إلى القرن الخامس » (باريس، 1981)، يذكر محمد حسين فنطر وفرانسوا ديكري، امرأة تدعى « كيريا » من جبال جورجورا بالقبائل، كانت لديها الجرأة والشجاعة لمحاربة الرومان خلال غزوهم للجزائر عام 370 م. بعد ذلك، امتطت جوادها لتخوض مع القبائل الأمازيغية، التي آمنت بقضيتها، هجمات متتالية قلصت من مدى دفاعها إلى أن هزمها الجيش الروماني
عاشت تين هينان، حسب غابرييل كامبس، في القرن الرابع الميلادي، قبل ظهور الإسلام بزمن طويل؛ لكن المؤرخين العرب والمعربين، الذين لا ينظرون بعين الرضا لدور المرأة المحاربة، ونظرا لما لها من تأثير في المجتمع الصحراوي، حاولوا ربطها وإلحاقها بالعصر الإسلامي، حيث تشير وثيقة أنها ابنة « سعيد مالك »، حوالي عام 1642، وهو تأريخ يتناقض بشكل تام مع ما توفره المعطيات الاركيلوجية
لفظت ديهيا أنفاسها الأخيرة عند سفح جبال الأوراس، قرب بئر لا تزال تحمل اسمها: « بئر الكاهنة ». ولأن العرب لم يقبلوا أن تذلهم امرأة وتلحق بهم الهزيمة، فقد جُزّ رأسها وقدم كغنيمة حرب للخليفة عبد الملك، الذي ترك ولديْها على قيد الحياة، واللذين اتبعا نصيحة والدتهما باعتناق الدين الجديد، وأصبح أحدهما من أهم قادة جيوش حسان بن النعمان
وختاما، إذا كان لسلالة الأدارسة دور ديني حاسم في اعتناق الإسلام من طرف العديد من القبائل الأمازيغية الوثنية، وكذا انتشار تقاليد الشرفاء، فإن ذلك يعود إلى شجاعة امرأة عظيمة اسمها: كنزة الأوربية
وإذا استطاع الأمازيغ أنفسهم، وليس العرب الغزاة، أن ينجحوا في نشر هذا المذهب في مختلف أنحاء شمال إفريقيا، فإن ذلك يرجع إلى حد كبير إلى الدور الأساسي الذي لعبته النساء والملكات الأمازيغيات
تتمتع بشخصية قوية، وكانت مُحترمة ومُبجّلة وبمثابة إمرأة مقدسة. استطاعت بمعية شقيقها الطاهر، خلال تجمع في سومر، تنظيم مقاومة القبائل الجبلية في منطقة القبائل (آيت إتسوريغ ، إيلّيلتن، آيت إيرّاتن، إيلّولين ن أومالو … ) ضد الهجمات الأولى للمستعمر الفرنسي عام 1855. بعد انتصارها في هذه المعركة الأولى في تازروت، تم القبض عليها في المعركة الثانية يوم 11 يوليو 1857 بعد عودة المستعمرين الفرنسيين مدججين بالمزيد من التعزيزات العسكرية والبشرية